
الكاتب: المفتي عبيدالله نورزهي
انتشار الإسلام في أمريكا
(الجزء الأول)
مقدمة
إن الدين الإسلامي المبين، كآخر الأديان السماوية وبفضل شموليته، انتشر وامتد في أصقاع الأرض كافة. تشير أحوال العالم اليوم إلى أن جميع القوى العالمية قد تجمعت لمحاربة الإسلام.
يعمل الاستعمار بحملاته العسكرية، ووسائل الإعلام بنشرها تهمة إرهاب الإسلام، والجماعات المتعصبة الصليبية – اليهودية بالإساءة للمقدسات الإسلامية، والمبشرون المسيحيون بنشر المسيحية المحرّفة، وغيرهم جميعاً في جبهة معاداة الإسلام، بكل طاقتهم وباستخدام جميع الوسائل لإضعاف المسلمين في كل أنحاء العالم، ومع ذلك، فقد شهد الإسلام أسرع نمو بين جميع الأديان في أمريكا وأوروبا وأفريقيا وبعض مناطق أخرى، حتى أصبح الآن ثاني أكبر ديانة من حيث عدد الأتباع في أوروبا وأمريكا.
بين المسلمين، نسب الطلاق منخفضة، والفساد الاجتماعي شبه معدوم، لا يُعتقل أحد بسبب الفساد أو السكر، وتحدث جرائم القتل والسرقة نادراً. المسلمون في أمريكا هم شعب مجتهد ومثابر، يشاركون في جميع المناسبات الرسمية الجادة، ويستطيعون أن يكونوا دعماً للمؤسسات والجمعيات الخيرية.
كما أن المسلمين في أمريكا، لما تلقوه من جوهر الإسلام، يقفون بثبات على شرفهم وكرامتهم، ولا يرضون بظروف تنتهك كرامتهم الإنسانية، وهذه كلها تفاصيل سترسم صورة انتشار الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية.
مقدمة
ظهور الإسلام في أمريكا له قصة غريبة. على خلاف كثير من مناطق العالم، لم يدخل الإسلام إلى أمريكا كفكرة نشأت في سياق علاقات اقتصادية أو كدين فرضه المنتصر بعد صراعات وحروب، بل دخلها نتيجة ظروف قد توصف بأنها غير مرغوبة.
في البداية، أُحضِرَت مجموعة من المسلمين الأفارقة كعبيد إلى أمريكا، وذلك في زمن لم يكن فيه الإسلام يحمل معنى واضحاً للسكان الأصليين، حيث كان الأسود يُعتبر أدنى مرتبة ومطيعاً، وعلى مدى ما يقرب من مئتي عام، حافظ أصحاب العبودية على جوهر الإسلام داخل أنفسهم وربوه، بالرغم من أن جزءاً من هؤلاء العبيد أصبحوا رواد فكرة تتعارض مع الاستغلال والعنصرية.
في المرحلة الثانية، عندما سهلت قوانين الهجرة في أمريكا قبول المهاجرين من كل أنحاء العالم، وصل عدد آخر من المسلمين إلى الأراضي الأمريكية، وكان النظام حينها غافلاً عن هذا التوجه الجديد (الإسلام).
في كلتا المرحلتين، دخل الإسلام بهدوء إلى مجتمع كانت فيه الأغلبية متمسكة بالمسيحية أو في أسوأ الأحوال متجهة إلى اللادينية.
يزداد غموض هذه القصة عندما نلاحظ أن هذا المجتمع سمح لجماعة أقلية أخرى، لكنها ذات نفوذ، وهي اليهود، بأن تزدهر. والفرق بين الإسلام كأقلية ويهودية كأقلية أخرى أن اليهود جاءوا بإدارة وتخطيط، وابتداءً لم يكونوا رعية بل عاشوا كملوك في أمريكا.
لذا، كان الإسلام والمسلمون من البداية في مواجهة، واضطروا دوماً لإثبات وجودهم داخل المجتمع الجديد والدفاع عن هويتهم التي تتعرض لضغوط دائمة.
على مدى مئتي عام، وقعت أحداث كان من المفترض أن تضع الإسلام في عزلة وضيق أكبر، لكن لأسباب غير واضحة لكنها متجذرة في مجتمع أمريكا، أصبح وجود الإسلام في الولايات المتحدة أقوى وأكثر وضوحاً.
خلال هذه المئتي عام، نما المجتمع الأمريكي الشاب، الذي بدا طفلاً مقارنة بحضارات العالم القديمة، وتحول تدريجياً إلى القوة العظمى بلا منازع، وفي العشرين سنة الأخيرة، ظهرت حركات إسلامية تنويرية.
الكثير من الاهتمام الذي توليه المؤسسات البحثية والسياسية في أمريكا للإسلام ينبع من قدرته على البقاء والحيوية والإيمان الراسخ لدى المسلمين. فالمسلمون يظهرون عندما يُعتقد أنهم انطفأوا.
في الولايات المتحدة، وبسبب وضعهم كأقلية، الإسلام ليس مجرد لون سياسي، بل دين متوافق مع المجتمع المضيف، ويكافح فساداته. تنشر أخبار الحياة الإسلامية في أمريكا التي تبعث على الأمل والاعتبار لجميع المسلمين.
الكثير من السجناء السود في السجون الأمريكية يُدعون إلى الإسلام، ومن هنا تظهر قوة الإسلام في إعادة تأهيل البشر وإعطائهم فرصة جديدة، حيث تفشل الأديان والتيارات الأخرى.
الشباب المسلم الأسود في المناطق التي يزداد فيها الجريمة يجدون ثقة السكان، وينظمون مجموعات للحراسة وحماية الأمن، ليديروا شؤون مناطق تعجز الشرطة الفيدرالية عن السيطرة عليها.
يتبع…
الجزء التالي