
الكاتب: عبید الله النیمروزي
سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله
(الجزء الثالث)
نُدرة المُصلِحين والدعاة في تاريخ الأديان الأُخرى
لقد وُجِدَ في سائر المذاهب وحتّى الأديان السماويّة الأخرى أفراد مختارون، استطاعوا أن ينفخوا روحاً جديدةً في دينهم وفي نفوسِ أتباعِ ذلك المذهب.
ولا يزال هذا الفراغ واضحًا في تاريخ الأديان الأخرى، على الرغم من مرورِ مئاتٍ بل آلافِ السنين، ويُلاحظُ أنّه خلال تلك الفتراتِ لم تظهَر أيّ حركةٍ إصلاحيةٍ تُذكَر، لتُنقِذ الدينَ من هجماتِ التحريفاتِ والبدعِ، وتظهِر حقيقةَ المذهبِ، وتتحمّل بمشاعرٍ صادقةٍ وقوةٍ كاملةٍ مسؤوليةَ دعوةِ الناسِ إلى حقيقةِ الإيمانِ وأصلِ الدين، وتُعلِن شعارًا قويًّا ضدَّ العاداتِ المُحدثةِ والابتكاراتِ الجديدة، وتحارب المادية والأهواء النفسيّة، وتجتهد في سبيلِ إصلاحِ وتجديدِ دينِهم، وتنفخُ في أتباع ذلك المذهب روحًا جديدةً من خلالِ معنويّتِهم الخالصةِ وتضحياتِهم العظيمةِ.
وأكبر مثالٍ حيّ لذلك هو الديانةُ المسيحية، التي تعرّضت في بداياتِ نشأتها، أي في النصفِ الأول من القرنِ الأول لظهورها، لتحريفاتٍ شديدةٍ لا مثيلَ لها في جميع عصور تاريخ المذاهب والأديان الأخرى. ويُلاحظُ أن الديانةَ المسيحية تحوّلت من صورتِها النورانيةِ البسيطةِ التوحيدية إلى مذهبٍ مشركٍ، حتى أصبحت محتوياتُها أقربَ ما تكون إلى مزيجٍ من الأفكارِ اليونانيةِ أو خيالاتِ البوذية.
والعجب كل العجب أن هذه التحريفات الكثيرة قد جاءت على يد داعيته الكبرى (بیروسنت پال) «بولس الرسول» (١٠–٦٥ م)، وهذه التغييرات تُعادل قفزة كبيرة من روح إلى روح أخرى، ومن شكل إلى شكل مختلف، ومن نظام إلى نظام مغاير، حيث لم يبقَ من الشكل الأصليّ للدين المسيحي في صورته الجديدة، سوى الاسم وبعض الطقوس الجزئية.
يكتب كاتبٌ مسيحي يُدعى «إيروس دي بونسن» – (Eruse De Bunsen) في بيان هذه التغييرات والتحولات قائلاً: إنّ تلك العقائد والنُّظم التي نجد ذكرها في الإنجيل، لم يدعُ إليها السيد المسيح عليه السلام في أيّ وقتٍ لا بقول ولا بعمل، والاختلاف القائم في هذا الزمان بين المسيحيين واليهود والمسلمين لا تقع مسؤوليته على عاتق السيد المسيح، بل إنّما هو نتيجة أفعال ذلك العالم اليهودي اللاديني المتظاهر بالمسيحية، وكذلك فإنّ هذا الخلاف ناتجٌ عن الطقوس والرموز والتنبؤات التي أتى بها هذا العالم اليهود. لقد قام بولس الرسول (العالم المتظاهر بالمسيحية) تقليداً لـ«ستيفن» -(Stephen) الذي كان من دُعاة مذهب الإيسينيين – (Essenio) بربط العديد من طقوس البوذية بدين السيد المسيح عليه السلام.
إنّ القصص والوقائع المتناقضة التي نجدها اليوم في الإنجيل، والتي تُظهِر السيد المسيح عليه السلام بمكانة أدنى بكثير من مقام رسالته، وكلّ هذه الزخارف التي أُلحقت بدين المسيحية، إنّما هي من اختراعات بولس. فهو والعلماء والرهبان الذين جاؤوا بعده، هم الذين نحتوا جميع هذه العقائد والخرافات التي أصبحت أساسًا وركيزة للعالم المسيحي على مدى ثمانية عشر قرنًا.
لقد احتفظت المسيحية طوال قرون طويلة، وحتى اليوم، بروح «بولس» وإرثه في صدورها، ولم يظهر طوال هذه المدة المديدة في العالم المسيحي شخص يرفع راية النضال ضد القوانين غير الواقعية والدخيلة، ويسعى للعودة إلى النقطة الأصلية التي وضعها السيد المسيح عليه السلام وخلفاؤه المخلصون وأتباعه الصادقون، ولم يظهر بعد مرور قرون طويلة مُصلِحٌ أو داعيةٌ يفصل هذه العناصر الدخيلة عن أصل المسيحية.
ومع ذلك، فقد ظهر في النهاية في القرن الخامس عشر الميلادي مارتن لوثر (M. Luther) في ألمانيا، حيث قام ببعض الإصلاحات الجزئية والمحدودة في بعض مسائل الديانة المسيحية، لكنها لم تكن إصلاحات جذرية أو شاملة، ولم يُقِم دعوة أو نضالًا ضد الشكل المشوَّه للمسيحية وانحرافاتها.
ويبدو أن تاريخ المسيحية حتى بعد خمسة عشر قرنًا من بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان خاليًا من أي ثورة جذرية أو حركات إصلاحية دينية ناجحة، ولم تحدث خلال هذه الفترة أية حركة كاملة مثمرة وفعّالة. وقد اعترف علماء المسيحية أنفسهم بهذه الحقيقة، أنَّه خلال هذه المدة الطويلة لم يظهر في العالم المسيحي أي تحرك ولا أي شخص يمتلك هذه الصفات التي تمكّنه من تحقيق نجاح بارز في إصلاح وتجديد حياة الديانة المسيحية.
يكتب كاتب دائرة المعارف البريطانية، «جـي ـ باسمولينجر (J. Bassmullinger)»: إذا بحثنا عن أسباب هذا الأمر، وهو لماذا لم تُحرز أدنى درجة من النجاح في الأنشطة الإصلاحية للدين قبل القرن السادس عشر، فيمكننا أن نقول دون تردد: إن السبب الأكبر في ذلك هو العبودية الفكرية للعصور الوسطى أمام الرموز والتقاليد الماضية.
يكتب في موضع آخر: «فشل جميع التوصيات الشاملة لإصلاح (الكنيسة) وعدم نجاح أنشطتها المتتالية حقيقة مؤكدة في تاريخ أوروبا» وفي موضع آخر يقول: قبل القرن السادس عشر جرت عدة محاولات ظاهرة لإصلاح الدين، ولكن بلا استثناء جميعها تعرضت للّعن واللوم من قبل الكنيسة، ولم يظهر بعد مارتن لوثر أحد يقف ضد خرافات الكنيسة وظلمها، ولا حتى يقوم على الأقل بما قام به لوثر مع الأخذ في الاعتبار خصائص دائرة علمه وصفاته.
وبالجملة، فإن المسيحية استمرت على الطريق الذي اختارته أو فرض عليها بالقوة، فضعفت هيمنة الكنيسة وانتهت نهائياً، وسادتخ في أوروبا المادية وحلت محل الدين الحقيقي، وأخلفت كل ديانة غربية في سباق الحياة. ولم يظهر في المسيحية من قام ضد هذه المادية وأعادها إلى مركزها الصحيح، أو أعاد ثقة المسيحيين بدينهم، ومنحهم قوة أخلاقية وإيمانية ثابتة تواجه ريح الإلحاد الحارق للإيمان، والمادية، وتجعلهم يعيشون حياة مبنية على عقائد وأخلاق وعلم المسيحية الحقيقي، الذي يجيب على أسئلة العصر ويحّل مشكلاته في ظل الدين، وأصيب على العكس، علماء ونظريون المسيحية باليأس من مستقبلهم، وشعروا بالصغر أمام اللادينية والمادية.
هذا وقد حدث نفس الأمر مع مذاهب الشرق الأخرى، فقد انحرف الدين الهندي وغيره عن مساره الأصلي وفقد بساطته وصلته الروحية المباشرة بالخالق العالم. كما زالت القوة الأخلاقية وبسبب تعقيداته أصبح مجرد نظرية محضة غير قابلة للتطبيق، ومع مرور الوقت فقد في عقائدها التوحيد والإخلاص، وفي المعاملات المساواة والأخوة، وهذان، أي الإخلاص في التوحيد والمساواة في المعاملات، هما أساسان مهمان يمكن لكل دين أن يقوم عليهما، إذ جذوره الباطنية قوية وفروعه الظاهرة متفرقة.
لقد قام مؤسسو «الأبانيشاد» بنشاط كبير لمنع هذا الفساد، رفضوا الطقوس التي سادت على دين وعادات الهندوس، وبدلاً من ذلك قدموا نظامًا خياليًا وفلسفيًا يقوم على الإجماع في التعدد. هذا الشكل الجديد قُبل في المدارس والكتاتيب العلمية في الدين الهندوسي، لأن ميول المؤسسين كانت منذ البداية نحو وحدة الوجود؛ لكن الناس العاديين الذين كانت مستواهم الفكري أقل بكثير وكانوا يرغبون في نظام عملي وتعاليم تطبيقية لم يقبلوا بهذا القول. وبسبب هذه المشكلة، بدأ الدين الهندوسي تدريجيًا يفقد تأثيره وقوته، وزادت الشكوك وعدم الثقة تجاهه يومًا بعد يوم، وكان هذا النقص في الثقة وعدم الاطمئنان هو الذي تجسد لاحقًا في شكل البوذية، وحدثت هذه المرحلة قبل القرن السادس الميلادي.
يتبع…