
الكاتب: عبیدالله النیمروزي
من هو الإمام البخاري؟
(الجزء الثالث)
الإمام البخاري رحمه الله في آراء أساتذته ومعاصريه
كان الإمام البخاري رحمه الله ذا مكانة علمية رفيعة، حتى إن معاصريه بل وأساتذته كانوا يأتون إليه بكتبهم، ويطلبون منه أن ينظر فيها، ليبيّن لهم الأحاديث الضعيفة والصحيحة، ويقوم بتصحيحها.
قال إسماعيل بن أويس بعد مراجعة الإمام: «هذا الحديث انتخبها محمد بن إسماعيل من الحديث».
وكان إذا أقر الإمام حديثاً، يقولون عنه: هذا الحديث انتخبه محمد بن إسماعيل من بين الأحاديث.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة عن الإمام: «ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل».
كان يعقوب بن إبراهيم الدورقي يقول: «محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة»، ونُقل هذا القول أيضاً عن نعيم بن حماد، وقال محمد بن بشار، أحد شيوخ الإمام البخاري: «هذا أوفق خلق الله في زماننا».
ولما دخل الإمام البخاري البصرة، قال محمد بن بشار: «قدم اليوم سيد الفقهاء«.وقال أبو مصعب الزهري: «لو أدركت مالكاً، ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل، لقلت كلاهما واحد في الحديث والفقه».
يقول أبوعمر الخفاف: «هو (أي محمد بن اسماعیل) أعلم فی الحدیث من أحمد وإسحق وغیرهما بعشرین درجة.»
نقل الحافظ ابن حجر آراء العلماء في الإمام البخاري، وفي الختام قال: «لو فتحت باب ثناء الائمة علیه ممن تأخر عن عصره لفنی القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحر لا ساحل له.»
قال الإمام قتيبة بن سعيد البغلاني (أستاذ الإمام البخاري): جلست مع الفقهاء والزهاد والعباد، ومنذ أن وعيت نفسي لم أرَ مثل محمد بن إسماعيل، كان في عصره كعمر بين الصحابة، وقال: جاءني طلاب العلم من المشرق والمغرب، فلم أجد أحداً مثل محمد بن إسماعيل، وقال الإمام أحمد بن حنبل: لم يظهر في أرض خراسان عالم مثل محمد بن إسماعيل، وكان الإمام إسحاق بن راهويه، وهو من كبار شيوخ الإمام البخاري، يقول لتلاميذه: انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه الحديث، فإنه لو كان في زمن الحسن البصري، لاحتاج الناس إليه لما عنده من المعرفة بالحديث والفقه.
نعم! إن إخلاص الإمام لله تعالى سبب في أن ينال هذه الدرجة والمنزلة، حتى صار كتاب البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله، وصار هو نفسه يُلقب بـ «أمير المؤمنين في الحديث».
مؤلفات وتصانيف الإمام البخاري رحمه الله تعالى
ومما صنف، كتاب يُدعى «قضايا الصحابة والتابعين»، وهو أول تصنيف للإمام، ألّفه في سن الثامنة عشرة، وكتاب آخر له هو «التاريخ الكبير» الذي صنّفه في المدينة المنورة، وكان يكتب فيه ليلاً على ضوء القمر، وقد جمع فيه أسماء الرجال والرواة وتواريخ ولادتهم ووفاتهم.
وعندما قرأ إسحاق بن راهويه (أستاذ الإمام البخاري) هذا الكتاب، أخذه إلى الأمير عبد الله بن طاهر، حاكم الوقت، وقال له: «ألا أريك سحراً؟» وكان يقصد بذلك أن هذا الكتاب سحرٌ وفوق العادة.
ومن كتبه الأخرى: «الأدب المفرد»، وكذلك «التاريخ الأوسط» و«التاريخ الصغير» و«التفسير الكبير» و«المسند الكبير» و«أسماء الصحابة»، ولعلّ كتاب «أسماء الصحابة» هو أول كتاب أُلِّف في أسماء وكنى الصحابة، وبعده صنّف الحافظ ابن عبد البرّ كتابه «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، والحافظ ابن حجر كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»، وأبو القاسم البغوي صنّف كتاب «معجم الصحابة» الذي ذكر فيه أسماء الصحابة وسيرهم، ولكن أشهر كتبه على الإطلاق هو «صحيح البخاري«.
ومن كتبه الأخرى أيضًا: (المبسوط، والجامع الصغير في الحديث، وبر الوالدين، وكتاب الكنى، وكتاب الرقاق، وكتاب الوجدان، وكتاب الأشربة، وكتاب خلق أفعال العباد، وكتاب الفوائد، وكتاب الهبة، وجزء قراءة خلف الإمام، وجزء رفع اليدين، وكتاب الضعفاء، وكتاب العلل الذي جمع فيه علل الأحاديث وذكرها). وأما كتاب «الجامع الصحيح» فهو أعظم تصانيف الإمام، وقد عرّفه إلى جميع أهل العالم، وجعله بحق «أمير المؤمنين في الحديث.»
أعظم تصنيف للإمام البخاري رحمه الله
إن أعظم تصنيف للإمام البخاري رحمه الله هو كتاب «صحيح البخاري»، وهو الكتاب الذي جعل باقي مؤلفاته يظنه الناس أن تصنيف الإمام يقتصر عليه فقط، وقد ذكر الإمام النووي أن اسم هذا الكتاب هو: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه».
وسُمِّي «الجامع» لأنه اشتمل على الأمور الثمانية، و«المسند» لأن الأحاديث فيه متصلة الإسناد إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، و«الصحيح» لأن الإمام البخاري التزم فيه بإيراد الأحاديث الصحيحة فقط، و«المختصر» لأن عدد أحاديث هذا الكتاب قليل بالنسبة لمجموع أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد اختار الإمام البخاري منها أصحها وأدقها، وقد قال الإمام البخاري نفسه: «تركت كثيراً من الأحاديث حتى لا يطول الكتاب»، وأما «أيامه» فالمقصود بها أيام حياته صلى الله عليه وسلم، ويُراد بها الغزوات.
يُروى في سبب تأليف كتاب البخاري، حادثتان، منها ما رواه إبراهيم معقل النسفي، حيث قال: «كنا في مجلس إسحاق بن راهويه، فقال بعض الفضلاء للحاضرين من العلماء: لو جمعتم كتاباً مختصراً في سنن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فوقعت هذه الكلمة في قلب الإمام البخاري، فعزم على أن يقوم بذلك».
والواقعة الأخرى رواها محمد بن سلام بن قاري، حيث قال: إن الإمام البخاري رأى في المنام كأنه يذود الذباب عن وجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقصّ هذه الرؤيا على العلماء وأهل الفضل، فعبّروها بأنك تدفع الأحاديث الضعيفة والموضوعة عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجه الرسول الكريم هو سيرته وحديثه الشريف. فكان هذا التعبير سبباً في عزم الإمام على تأليف كتاب البخاري، فقام بذلك بتوفيق الله عز وجل وتأييده، وأتمّ هذا العمل العظيم.
نعم! إذا أراد الله أن يستعمل عبده في أمرٍ أو أن يهب له نعمة، فإنه يغرس فيه أولاً الطلب، وهذا الطلب والجدية يكونان سبباً في نيل الإنسان لتلك النعمة.
يتبع…