
الكاتب: محمدعاصم إسماعیل زهي
الإسلام والتعامل الإيجابي مع العلم
(الجزء الأول)
منذ نشأة المجتمع المدني الإسلامي في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حظي العلم والاهتمام بتحديثه بعناية كبيرة وملحوظة. من مظاهر هذا الاهتمام أن بعض أسرى الحروب، وفقًا لنظرة الإسلام إلى التعليم والتعلُّم، كانوا يُمنحون فرصة لنيل حريتهم إذا قاموا بتعليم القراءة والكتابة لعدد من الصحابة.
وقد تطورت هذه النهضة العلمية التأسيسية يومًا بعد يوم، حتى قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها» [۱]
إن متابعة المستجدات العلمية، والبحث في هذا المجال لا تتعارض إطلاقًا مع تعاليم الدين الإسلامي، بل تُعد من منظور الدين سعيًا محمودًا، يعزز أسس الإيمان والدين، ويستحق التقدير والثناء. هذا القول الجميل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الواقع، يُعدّ مصباحًا يُنير درب أصحاب العقول والأفكار، ودافعًا مباركًا لنهضة علمية جديدة، وتحقيق الأهداف السامية للإسلام في ظل نشر العلم والمعرفة.
ومن ثَمّ، فإن الحركة العظيمة نحو طلب العلم واستخدام العقل قد بدأت في فجر الإسلام، وأخذت في الازدهار، ولعبت دورًا محوريًا في بناء مجتمع إسلامي قوي ومقتدر.
وتكمن في طيّات هذا الحديث للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أهدافٌ سامية وأفكارٌ وتوجيهات مستقبلية، وهو بمثابة مصباح مضيء في طريق توسيع نطاق العلم والدراسات، والمتابعة الجادة والإيجابية لقافلة العلم والفكر، والتواكب مع العالم المعاصر في سبيل تحصيل مختلف المعارف العلمية والتجريبية والمعرفية.
وتحتل الأخبار المتعلقة بطلب العلم وفضائل العلماء في ذخيرة الروايات الإسلامية والأحاديث النبوية، مكانةً عظيمة، وتزخر كتب الحديث بهذه الأنواع من الروايات.
إنّ إقبال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ومن جاء بعدهم في القرون التالية، على طلب العلم، وسعيهم العلمي والمعرفي، وبذلهم الجهد الكبير في مختلف المجالات العلمية، كان نابعًا من هذه الحقيقة الإيجابية، حيث إن قوة صدى التعاليم الدينية والمعارف الإسلامية قد ربطتهم ارتباطًا عميقًا وصادقًا ببحر العلم والمعرفة اللامحدود.
وقد قال الله عز وجل في شأن العلم: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» [۲].
وقال أيضًا: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» [٣].
وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «إذا تقرّب الناس إلى الله تعالى بأنواع البر، فتقرّب أنت بعقلك وعلمك» [٤].
التعامل الإيجابي مع سائر الأمم
كان للتبادل العلمي والنظرة الشاملة نحو توسيع نطاق العلم والمعرفة، منذ القدم، انتشار وشيوع بين مختلف الثقافات والأقوام، وقد أدى هذا التفاعل إلى تعاون بين الأمم في هذا المجال، وكان لهذا الأخذ والعطاء العلمي والمعرفي، الذي بُذلت فيه مساع كثيرة على مرّ العصور، تأثير بالغ في توسيع العلوم وتنشيط إبداع الأشخاص ذوي الكفاءة. في الحقيقة يمكن القول إن هذا التفاعل كان في كثير من الأحيان سرًّا من أسرار ارتقاء وازدهار العلوم والفنون على مختلف المستويات.
ففي العصر الإسلامي الأول، وبسبب الحرص على صيانة حرمة القرآن العظيم والأحاديث الشريفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ظهرت بعض الاعتراضات على العلوم الوافدة من الأمم الأخرى، وكانت تلك الاعتراضات تستند إلى مبررات معقولة، إلا أن تلك المواقف لم تدم طويلاً، إذ بدأ بعد عدة عقود حراك واسع في ميادين العلوم والمعرفة.
ويكتب مؤلف كتاب «تاریخ تمدن اسلامی»: يُروى أن ماسرجوية البصري (من القرن الأول الهجري)، وكان من معاصري مروان بن الحكم (المتوفى سنة ٦٥هـ)، كان عالماً في الطب، وأصله سرياني وكان على ملة اليهودية، وقد تُرجِم في زمانه كتابٌ يُدعى «كنّاش» أو «الحاوي»، ألّفه قس أهرون( هارون )بن أعين باللغة السريانية، فقام ماسرجويه بترجمته إلى العربية. ولما تولى عمر بن عبد العزيز (المتوفى سنة ١٠١هـ) الخلافة، وُجد هذا الكتاب في خزانة الكتب بالشام، وشجّع بعض أهل العلم والمعتقدين بعلوم الأوائل، الخليفةَ التقيَّ، على نشره ليستفيد منه المسلمون، لكن الخليفة الأموي التقيّ استخار الله تعالى أربعين يومًا، ثم بعد ذلك أمر بنشر هذا الكتاب وتوزيعه بين الناس.[٥]
وفي طليعة هذا التنافس الإيجابي والتفاعل الهادف، جاءت نهضة الترجمة من اللغات السريانية واليونانية والفارسية والرومية وغيرها إلى اللغة العربية، حيث بذل المترجمون البارزون جهودًا كبيرة في نقل العلوم الدخيلة إلى العربية، فحركوا بذلك قافلة العلم والمعرفة.
يقول الدكتور علي أصغر حلبي: ترجم المسلمون معظم ما كان من العلوم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والآداب عند الأمم المتحضرة في ذلك الزمان إلى لغتهم، ولم تبقَ لغة من لغات البلدان المعروفة آنذاك إلا وقد ترجم العرب شيئًا منها إلى العربية، وإن كانت معظم الترجمات من اليونانية والفارسية والهندية. كما أخذوا من كل أمة أفضل ما كان لديها، فاعتمدوا في الفلسفة والطب والهندسة والموسيقى والمنطق والفلك على اليونانيين، وفي الفلك والسير والآداب والحكم والتاريخ والموسيقى على الفرس، وفي الطب الهندي ومعرفة العقاقير والحساب والفلك والموسيقى والقصص على الهنود، وفي الفلاحة والزراعة والتنجيم والسحر والطلاسم على الكلدانيين (النبط)، وفي الكيمياء والتشريح على المصريين. وكأن المسلمين أصبحوا ورثة علوم الآشوريين والبابليين والمصريين والفرس والهنود واليونانيين، فجمعوا تلك العلوم ودمجوها ونمّوها، وشيدوا منها الحضارة الإسلامية العقلية.[٦]
وكتب في موضعٍ آخر: إنّ ما تُرجم إلى العربية في ذلك العصر من لغات متعدّدة يفوق عددُه المئات من الكتب والرسائل، وكان أكثرها من اللغة اليونانية، ومنها: ثمانية كتب في الفلسفة والأدب لأفلاطون، وتسعة عشر كتابًا في الفلسفة والمنطق والأدب لأرسطو، وعشرة كتب في الطب لجالينوس، ثم ثمانية وعشرون كتابًا أخرى في نفس الفنّ له، وفي الرياضيات والفلك ترجم أكثر من خمسة وعشرين كتابًا لإقليدس، وأرخميدس، وأبلوینوس، ومنالاووس، وبطليموس، وأبرخس، وديُوفانتُس، وغيرهم.
وكانت من الكتب المشهورة المنقولة إلى العربية من لغاتٍ أخرى: نقلت نحو عشرين كتابًا من اللغة الفارسية في التاريخ والأدب، ونحو ثلاثين كتابًا من اللغة السنسكريتية، وكان أكثرها في الرياضيات والطب والفلك والأدب، ونحو عشرين كتابًا من السريانية والنبطية، وكان أكثرها في السحر والطلاسم، ما عدا كتاب «الفلاحة النبطية» في الزراعة. [٧]
النقطة الثانية: هي أن العرب ترجموا من علوم الأمم في غضون قرن ونصف من الزمن ما لم يتمكن الرومان من ترجمته إلا القليل القليل خلال عدة قرون، وهذه النقطة تُعدّ من العجائب في أكثر جوانب الحضارة الإسلامية. [٨]
ومن خلال استفادة المسلمين من علوم عصرهم المختلفة، استطاعوا أن يُرسّخوا دعائم حضارة الإسلام العظيمة، إذ أنّ الانتفاع من غير المسلمين بنظرة إيجابية وهادفة يُعدّ أمرًا جديرًا بالتقدير والثناء، ومن خلال هذا التفاعل الثقافي الإيجابي، فُتحت أمامهم أبواب التقدّم والرقي نحو مراتب الكمال، وتمكن المفكرون المسلمون من توظيف هذه العلوم في خدمة تعزيز المبادئ الدينية وتوسيع نطاق المعارف الإسلامية.
يكتب الدكتور سيد حسين نصر: لقد اهتم المسلمون منذ القرن الأول في العصر الإسلامي بالعلوم المختلفة التي وجدوها حولهم، وخاصة الطب والفلك، بدأت حتى القرن الثاني الهجري ترجمة النصوص العلمية من أربع لغات رئيسية ورثها الإسلام، وهي اليونانية، والسريانية، والبهلوية، والسنسكريتية.[٩]
وكانت هذه النهضة القيمة والعظيمة للمسلمين في مسار التمسك بالعلم وتأسيس ترجمة كتب الأجانب في العلوم المستوردة، مهدّت الطريق لتوسع مجال العلم والمعرفة، ولم تكن أبداً تعني أن الدين الإسلامي ناقص أو أدنى، بل كانت هذه الحركة قفزة إيجابية في اكتساب العلم والوصول إلى الأسس العلمية المعاصرة في ذلك العصر، وتعكس فهماً عميقاً وبصيرة صحيحة لأتباع طريق العلم والمعرفة في ذلك الزمان، وكانت خطوة لتفعيل المواهب الخلاقة الكامنة بهدف تقوية البنية الأساسية للعلم والفن في تلك الفترة.
ويكتب الدكتور سيد حسين نصر أيضًا: لم يكن دافع المسلمين للاهتمام بترجمة نصوص اللغات الأجنبية إلى العربية من الخارج، ولم يكن سببهم لهذا العمل سياسياً ولا اقتصادياً ولا عسكرياً، ولا كان أي ضغط ديني خارجي يدفعهم لذلك، إنما سبب اهتمام المسلمين بترجمة تلك الآثار كان ينبع من جوهر الدين الإسلامي ذاته، وكان السبب هو تأكيد الإسلام على طلب العلم وعلى الحقيقة التي تقول إن الإسلام نفسه هو خير الدين للبشرية ووارث كل الأديان الوحيّة السابقة وكل أشكال العلوم والمعارف التي تؤيد التوحيد الإلهي. [١٠]
لقد تأسس، في القرن الثالث الهجري، بيت الحكمة، بأمر من الخليفة العباسي المأمون، وحدثت بذلك تحولات عظيمة في مجال العلم والمعرفة، وكان هذا المركز يعدّ من أشهر مراكز تلك الفترة في ترجمة العلوم والفنون الأجنبية إلى اللغة العربية. وقد لعب دوراً أساسياً في نشر العلم وتوسيع المعارف العلمية والفنية، ولا يمكن إنكار دوره في هذا المجال، وبفضل الإنجازات العلمية لهذه المؤسسة، انفتحت آفاق جديدة ومضيئة للعلوم والمعرفة القديمة والمعاصرة.
ويكتب الأمير شكيب أرسلان: قيل إن المأمون جلب مئة ناقة إلى بغداد، وعندما وجد رسالة بطلميوس في مجال الرياضيات أمر بترجمتها إلى العربية تحت اسم «المجسطى»، وقد كان حريصًا على جمع الكتب حتى أصبح خزانه في القاهرة يحتوي على أكثر من مئة ألف مجلد، مكتوبة ومجلدة بشكل جميل، وكان من بينها ستة آلاف وخمسمائة كتاب في الطب والفلك فقط.[١١]
لقد اتجه المسلمون بعد أن فتحوا الأندلس، إلى العلوم واستفادوا استفادة كبيرة من مختلف العلوم والفنون، وتمكنوا في وقت قصير أن يصبحوا من أشهر علماء العالم. وكان هذا التوجه الإيجابي نحو نشر العلم والفن واهتمامهم الكبير بهذا الاتجاه من أهم عوامل تقدمهم وازدهارهم بعد إيمانهم بالله ورسوله واتباعهم لأحكام الإسلام.
يكتب محمد أسد الأتريشي في كتابه «اسلام بر سر دوراهی»: استوعب المسلمون في إسبانيا كل ما كان مفيدًا ومُعلمًا في ثقافة وحضارة اليونان القديمة، ثم أخذوا في علوم عصر اليونانيين الحديث، وأدمجوه في ثقافتهم وعلومهم، وبعد تأسيس أول إمبراطورية إسلامية، بدأت معلوماتهم وفلسفتهم تتطور وتنمو وأضافوا إلى تلك العلوم الأولية كثيرًا من المعارف.[١٢]
ويضيف: بعد ترجمة تلك الكتب، خلق المسلمون بيئة علمية جديدة كانت جذابة وجديدة من كل ناحية، وفتحوا طرقًا علمية جديدة للبحث والتحقيق.[١٣]
يتبع
المصادر:
[١] الترمذي، عن أبي هريرة.
[٢] سورة الزمر: ٩.
[٣] سورة المجادلة: ١١.
[٤] إحياء علوم الدين ١٦/٣.
[٥] الدكتور علي أصغر حلبي، تاریخ تمدن اسلامی، ص ١١٧-١١٨، منشورات أساطير.
[٦] تاریخ تمدن اسلام ص ٦٧- ٦٨.
[٧] نفس المصدر: ص ٦٧.
[٨] نفس المصدر: ص ٦٩.
[٩] جوان مسلمان و دنیای متجدد،ص ١٣١، طرح نو.
[١٠] نفس المصدر ص ١١٧.
[١١] حاضر العالم الإسلامي ١/ ١٤٩.
[١٢] محمد أسد الأتريشي، اسلام بر سر دوراهی، ص ٥٩ من الترجمة الفارسية.
[١٣] نفس المصدر، ص ٦٠.