
الكاتب: عبیدالله النیمروزی
الإمام الشاه ولي الله المحدث الدهلوي
(الجزء الاول)
الكلمات الرئيسية: المحدث الدهلوي شاه ولي الله «حجة الله البالغة»
الخلاصة:
إنّ من بین القادة الفكريين والمصلحين الدينيين في العالم الإسلامي خلال القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، يتمتع الإمام الشاه ولي الله الدهلوي بمكانة رفيعة، فقد كانت شخصية لامعة، والذي في فترة مضطربة من تاريخ الهند، قاد المسلمين نحو الطريق الصحيح، والسلام، والعظمة، والكرامة، وكان يتمتع ببصيرة عميقة، وعلم شامل، ونبل بطولي، حيث بعد وفاته بقليل، أصبحت أفكاره مصدر إلهام لحركة قوية قادها الشاه إسماعيل الشهيد والسيد أحمد الشهيد، بهدف تحرير المسلمين من قبضة الإمبريالية الغربية.
شرح أحواله وآثاره
هو قطب الدِّين أَحمد بن عبد الرّحيم الدّهلوِي، المعروف بـ«الشاه ولي الله الدهلوي»، وُلِد بعد وفاة أورنك زيب عالمكير بأربع سنوات، يعني في سنة ۱۱۱۴ هـ / ۱۷۰۳ م. يعود نسبه إلى أسرة الخليفة الأعظم عمر الفاروق رضي الله عنه، ومن الصعب تحديد وقت دقيق لهجرة أجداده من الجزيرة العربية واستقرارهم في الهند، غير أن ذلك يشير إلى أن هذه الهجرة وقعت بعد نحو ثلاث مئة سنة من هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أشارت الوثائق التاريخية بوضوح إلى المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها أجداده في البلاط المغولي، حيث ورد فيها أن المذكور قد لعب دورًا هامًا في الصراع على السلطة بين أبناء شاه جهان، وأبدى شجاعة في الحرب ضد المراثيين.
كان والد الشاه ولي الله، الشاه عبد الرحيم، محبوبًا ومحترمًا بين الناس لعلمه وفضله وتقواه. كلّفه الإمبراطور أورنكزيب عالمكير بمهمة مراجعة فتاوى عالمكيرية (الفتاوى الهندية)، وقد أتمّ هذه المهمة بنجاح دون أن يتقاضى أي أجر. ذكر شاه ولي الله في رسالته «الجزء اللطيف في ترجمة العبد الضعيف» تفاصيل عن فترة طلبه للعلم، حيث أظهر نصجه الفکري منذ صغره، وتفوّق في مختلف العلوم حتى أصبح قادرًا على تدريسها بثقة في سن الخامسة عشرة.
بعد وفاة والده، انشغل بتدريس العلوم المتداولة في المدارس ذلك العصر من التفسير والحديث والفقه والمنطق، وخلال هذه الفترة التي استمرت نحو اثني عشر عامًا، تعمّق في دراسة تعاليم الإسلام بدقة وتأمّل جدي في مستقبل المسلمين في الهند.
سافر الشاه ولي الله الدهلوي في عام ۱۱۴۳ هـ/۱۷۳۷ م إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، وأقام هناك أربعة عشر شهرًا، حيث درس علم الحديث والفقه على يد علماء بارزين مثل الشيخ أبو طاهر الكردي المدني، والشيخ وفد الله المكي، والشيخ تاج الدين القالي. وخلال هذه الفترة، تعرّف على المسلمين من مختلف البلدان الإسلامية، مما أتاح له الاطلاع على الأوضاع السائدة في تلك الدول، وعاد إلى دهلي في عام ۱۱۴۵ هـ/۱۷۳۳ م، وخلال فترة حكم الشاه عالم الثاني التي استمرت حتى وفاته في عام ۱۱۷۶ هـ/۱۷۶۳ م، ألّف العديد من المؤلفات، أبرزها كتاب «حجة الله البالغة» الذي سعى فيه إلى تقديم تعاليم الإسلام بأسلوب علمي، مع الحفاظ على جذور الفكر الإسلامي دون الانقطاع التام عن الماضي.
تتسم مؤلفاته بالتنوّع والشمول، وتشمل جميع جوانب المعرفة: الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والميتافيزيقية، وكذلك الكلامية المحضة، ثم سواء كنا متفقين مع آراء ونتائج «الشيخ ولي الله» أو مخالفين لها، فلا بد من الإقرار بأن هذا الكتاب يُمثّل أول محاولة بارزة تُعيد النظر في مجمل نظام الإسلام بناءً على المنهجية العلمية وموضوعية البحث.
يتبع ….