
الكاتب: عبیدالله النیمروزی
سيرة أبي حامد الإمام محمد الغزالي رحمه الله
حياة الإمام الغزالي العلمية والمعنوية
الولادة والنشأة في بيئة علمية
كان الإمام محمد الغزالي رحمه الله، أحد أبرز المفكرين والعلماء في العالم الإسلامي، وُلد سنة ٤٥٠ هـ في مدينة «طوس»، في حي يُدعى طابران. اسمه محمد وكنيته أبو حامد، وكان والده رجلاً محبّاً للعلم، ورعاً، مخلصاً، رغم فقره، وكان يتمنى دوماً أن يسلك أبناؤه طريق العلم والمعرفة. ولما لم يكن قادراً على تأمين نفقات تعليم ولده، عهد قبيل وفاته برعايتهم إلى صديقٍ له من أهل التصوف، فتولی هذا الصوفي، امتثالاً لوصية الأب، تربيتهم، وسعى لإدخالهم إلى المدارس وطلب العلم. وهكذا، التحق الإمام الغزالي رحمه الله منذ صغره بالمدرسة، وبدأ تعليمه.[١]
تحصيل العلم وازدهار المواهب
تعلّم الإمام الغزالي رحمه الله أولاً فقه الشافعية في مسقط رأسه «طوس» على يد الشيخ أحمد الرادكاني، ثم رحل إلى مدينة جرجان لإكمال تحصيله العلمي، واستفاد هناك من الإمام أبي نصر الإسماعيلي، غير أن مسيرته العلمية لم تتوقف عند هذا الحد، بل انتقل بعد ذلك إلى نيسابور، حيث حضر حلقات الدرس عند أحد أبرز علماء ذلك العصر، وهو الإمام الحرمين الجويني.
برز الإمام الغزالي رحمه الله بسرعة بين الطلاب، في نيسابور،حيث كان أحدًا من المتوفقین بين نحو أربعمائة طالب يحضرون دروس الإمام الحرمين، وبفضل ذكائه الفائق، وذاكرته القوية، ودقته في التفكير، نال شهرة كبيرة بين زملائه في وقت قصير، بل وصل إلى مرتبة المعاون والمساعد للإمام الحرمين، مما يدل على مكانته العلمية والفكرية الرفيعة في شبابه.
دخوله إلى بلاط نظام الملك والتدريس في المدرسة النظامية ببغداد
غادر الإمام الغزالي رحمه الله نيسابور، بعد وفاة الإمام الحرمين، وعاد إلى مسقط رأسه طوس، وكان عمره في تلك الفترة نحو ثمانٍ وعشرين سنة، إلا أنه بلغ من التفوق في العلوم ما جعله يفوق كثيرًا من كبار المشايخ والعلماء في عصره. وقد بلغت صيته بلاط الوزير السلجوقي، خواجه نظام الملك، الذي كان من المشجعين والداعمين للعلماء والمفكرين، فاستدعى الإمام الغزالي رحمه الله إلى بلاطه بإكرام كبير واحترام بالغ.
كان بلاط نظام الملك في ذلك العصر ملتقى لأعظم العلماء والفقهاء والمفكرين، وكان الإمام الغزالي رحمه الله يشارك في النقاشات العلمية والمناظرات الدينية، وكان غالباً ما يتفوق على غيره. وكانت قدراته العلمية بارزة إلى درجة أن نظام الملك قرر تعيينه رئيساً للمدرسة النظامية في بغداد. وكانت المدرسة النظامية ببغداد في تلك الأونة، من أعرق المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، وكان هذا التعيين دليلاً على مكانته العلمية والرفيعة.
دخل الإمام الغزالي رحمه الله في سنة ٤٨٤ هـ مدينة بغداد في سن الرابعة والثلاثين، بالمهابة وبدأ التدريس في المدرسة النظامية، وسرعان ما أصبح من أبرز أساتذة هذه المدرسة، وانتشر صيته في أرجاء بغداد، وازدهر مجلس درسه، وأقبل عليه كثير من الطلبة والعلماء من مختلف بلاد الإسلام لنهل العلم منه.
وكان عدد طلابه في بعض المجالس يبلغ ثلاثمائة طالب، وكان معظمهم في المراحل الأخيرة من تحصيلهم العلمي، كما كان الأمراء وأصحاب المناصب الرفيعة يحضرون دروسه أيضًا، ويستفيدون من علمه وبصيرته.[٢].
نفوذ الإمام الغزالي العلمي والسياسي في بغداد
مع مرور الزمن، ترسخ مكانة الإمام الغزالي رحمه الله في بغداد لدرجة أن نفوذه العلمي والاجتماعي يعادل نفوذ أركان الدولة. يقول الشيخ عبد الغافر الفارسي، أحد معاصريه، إن شأن الإمام الغزالي وجلاله ارتفعا حتى خفت جلال أمراء البلاط والوزراء أمامه.
وفي سنة ٤٨٥ هـ، أرسل الخليفة العباسي المقتدر بالله، الذي كان على علم بنفوذ الإمام الغزالي رحمه الله ومكانته العلمية، الإمام بصفته ممثلًا ومتحدثًا باسمه إلى تركان خاتون، زوجة السلطان ملكشاه السلجوقي ونائبة سلطانه. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على المكانة الاستثنائية التي تمتع بها الإمام الغزالي داخل هرم السلطة السياسية في ذلك العصر. [٣]
بعد الخليفة المقتدر بالله، كان للخليفة المستظهر بالله أيضاً عناية خاصة بالإمام الغزالي رحمه الله، وقد ألّف الإمام الغزالي كتاباً في رد عقائد الباطنية بناءً على طلبه، واشتهر هذا الكتاب باسم «المستظهري». [٤]
التحوّل الفكري وخروج الإمام الغزالي من المدرسة النظامية ببغداد
على الرغم من النجاحات العلمية والاجتماعية التي حققها الإمام الغزالي رحمه الله، إلا أن له روحًا قلقةً وعقلًا باحثًا عن الحقيقة، فبينما كان في أوج مكانته العلمية والاجتماعية، فجاءة تعرّض للشك في مفاهيم المعرفة واليقين، فكان باطنه في تلك الفترة،ممتلئاً بالشكوك والتساؤلات حول حقيقة المعرفة، واليقين، ومكانة العلوم النظرية في الوصول إلى الحقيقة.
فيصف هذا التحول في كتابه «المنقذ من الضلال» قائلاً: «منذ مطلع شبابي، كان طبعي ميّالاً إلى البحث والتحقيق، فكنت أنضم إلى كل فرقة وأدرس عقائدها وأفكارها، إلا أنه مع مرور الوقت، أدّى هذا السعي إلى تحرري من قيود التقليد، وبدأت أشكّ في العقائد التي نشأت عليها منذ طفولتي، فأدركت أن الناس يشكّلون معتقداتهم بناءً على بيئتهم وتربيتهم، على سبيل المثال أطفال اليهود ينشأون على اليهودية، وأطفال المسيحيين على المسيحية، وأطفال المسلمين على الإسلام.» [٥].
أزمة الفكر والشكوك الفلسفية للإمام الغزالي رحمه الله
لقد تعرض الإمام الغزالي رحمه الله، بعد سنوات من التدريس في المدرسة النظامية ببغداد ونيله شهرة علمية واسعة، لأزمة فكرية ومعرفية عميقة. وكان دائمًا في سعيه وراء الحقيقة، فتوصل إلى نتيجة مفادها أن العلم اليقيني هو وحده الذي لا يترك مجالًا لأي شك أو ريب. وقد بيّن هذا اليقين بمثال بسيط، فقال: «أنا على يقين بأن عدد عشرة أكبر من عدد ثلاثة، فلو جاء أحد وقال إن الثلاثة أكبر من العشرة، وأراد أن يُثبت ذلك بأن حوّل العصا إلى حيّة، لن يتزعزع يقيني أبدًا. نعم، قد أندهش وأتعجب من فعله، ولكن إيماني بتفوق العدد عشرة سيبقى ثابتًا لا يتغير.»[٦].
واستنادًا إلى هذا الأصل، فقد توصّل الإمام الغزالي رحمه الله إلى أنّ العلوم اليقينية الحقيقية هي العلوم الحسية والبديهيات العقلية فقط، ولكنه بعد التأمّل والنظر، أدرك أن هذين النوعين من العلوم ليسا معصومين من الخطأ والاشتباه. فقد تبيّن له أن حاسة البصر، وهي أقوى الحواس، تقع أحيانًا في الخطأ، فمثلًا: النجم الذي يبدو صغيرًا في السماء هو في الحقيقة أكبر من الأرض بكثير، وقد بلغ به الشك حدًّا جعله يشكّ في يقينية المحسوسات نفسها، ثم تأمّل في المعقولات، فوجد أنها أضعف وأشدّ ريبة من المحسوسات.
التحرر من الشك والدخول في طريق التحقيق
استحوذ هذا الأزمة الفكرية على عقل الإمام الغزالي رحمه الله قرابة شهرين، حتى بلغ به الحال إلى نوع من الشك الفلسفي (السفسطة)، ولكنه في نهاية المطاف، نجا من هذه الأزمة، بلطف من الله تعالى وأيقن أن البديهيات العقلية هي أساس المعرفة اليقينية. وقد اعتبر هذا الرجوع إلى اليقين ليس نتيجة للاستدلال، بل أمراً وهبياً ومنّة إلهية. وبعد تجاوزه لهذه الأزمة، بدأ الإمام الغزالي رحمه الله في طريق البحث عن الحقيقة، فناقش أربع فرق رئيسية:
المتكلمين: الذين زعموا أن العقل والاستدلال هما السبيل إلى الحقيقة.
الباطنية: الذين اعتقدوا أن الأسرار الإلهية لا تُفهم إلا عن طريق الإمام المعصوم.
الفلاسفة: الذين اعتمدوا على المنطق والبرهان العقلي.
الصوفية: الذين عدّوا الكشف والشهود طريق الوصول إلى الحقيقة.
وقد ناقش الغزالي أفكار هذه الفرق وآراءها بدقة وتأنٍّ باحثاً عن الحقيقة.
