
الكاتب: عبیدالله النیمروزی
من هو الإمام البخارى رحمه الله؟
(الجزء الثاني)
ذكاءه ونبوغه رحمه الله
كانت آثار النبل والذكاء ظاهرة على وجهه منذ الصغر، حتى قبل البلوغ، كان قد حصل على معلومات كافية عن المذاهب، وفي تلك الفترة كان يلفت انتباه بعض مشايخه إلى أخطائهم العلمية.
وعندما كان في السادسة عشرة من عمره قرأ كتبًا مشهورة واستمع إلى العديد من الأحاديث. وقال هو بنفسه: «كنت أحفظ في شبابي سبعين ألف حديث». وقد قال الإمام الذهبي عن هذه المرحلة من حياته: «كان يصنف ويروي الأحاديث ولم يظهر شعر على وجهه بعد».
كان الإمام البخاري رحمه الله من نوابغ عصره في قوة الحفظ والضبط، إذا قرأ كتابًا مرة واحدة، يبقى محفوظًا في ذاكرته.
لم يتم الإمام البخاري رحمه الله عشر سنوات من عمره حتى حفظ القرآن، وتعلم العديد من الأحاديث في مدرسة في بخارى.
والذي أدهش المحدثين المعاصرين للإمام البخاري رحمه الله هي قوة حفظه، ليس فقط في متن الأحاديث، بل في الأسانيد المتعددة لجميع الأحاديث، وحتى في ترتيب أسماء الرواة في الأسانيد، وعندما انتشرت قدرة حفظه وضبطه في العالم الإسلامي، شعر البعض بالفخر لذلك، بينما ظن البعض الآخر بدافع الحسد أن هذه القدرة في حفظ الإمام البخاري ليست إلا مبالغة وإفراطًا.
صفات و خصائصه رحمهالله
كان الإمام البخاري رحمه الله شديد الصبر، صاحب حياء، شجاعًا، كريمًا، ورعًا، تقيًا وزاهدًا، كان يصلي ثلاث عشرة ركعة كل فجر، ويختم القرآن في ثلاث ليالٍ خلال شهر رمضان المبارك، وكان دائماً ينفق على الفقراء والمساكين. ذات مرة، كان يصلي قائمًا حين دخل نحلة في ثوبه ولسعته في سبعة عشر موضعاً من جسده، لكنه لم يقطع صلاته، وبعد أن فرغ من الصلاة قال: “انظروا ماذا أزعجني في الصلاة؟” فوجدوا نحلة قد لسعته في سبعة عشر موضعاً.
يقول عبدالله بن محمد الصارفي: «كنتُ عند الإمام البخاري رحمه الله في بيته، فجاءت جاريته تريد الدخول إلى الدار، فانزلقت قدمها، فقال لها الإمام: كيف تمشين؟ فقالت الجارية: إذا لم يكن هناك مكان للمشي، فكيف أمشي؟ فرفع الإمام البخاري رحمه الله يديه وقال: اذهبي، فأنتِ حرة. فقيل له: يا إمام، قد أغضبتك الجارية فأعتقتها؟ فقال: أرضيت نفسي بإعتاقها».
استجابة دعائه رحمه الله
كان مستجاب الدعوة، يقول هو: «دعوتُ مرتين فاستجاب الله دعائي فورًا، فخشيتُ بعد ذلك أن يعجّل الله لي ثواب حسناتي في الدنيا، فلم أدعو لشيء من أمور الدنيا».
ابتلائه رحمه الله
كان إنسانًا عظيمًا، والقاعدة أنّ الإنسان إذا تقدّم وبرز، يتعرّض للأذى لا محالة، وقد واجه الإمام البخاري رحمه الله مشكلات كثيرة، حتى اضطر إلى مغادرة وطنه.
قصة إخراجه الأول
عندما عاد من بغداد بدأ بالإفتاء، إلا أن أحد كبار علماء بخارى نهاه عن ذلك، فلم يقبل الإمام ذلك، فقد سئل عن مسئلة تتعلق بالرضاعة، هل تثبت الرضاعة بشرب اللبن من الحيوانات؟فأفتى بثبوتها. فثار جدل كبير بعد فتواه ، ولذلك اضطر إلى ترك الوطن. لكن هناك شك في صحة هذه القصة، فالذي نسب إليه غير صحيح، على كل حال فهذا كان إخراجه الأول.
وخروج الإمام البخاري رحمه الله للمرة الثالثة كان في سنة ٢٥٠ إلى نيسابور. فقال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: «نحن نخرج لاستقباله». وقال الإمام مسلم: «لقد استُقبل استقبالًا لم يُستقبل به أي والٍ عظيم من قبل».
وفي المسألة التي قال فيها: “القرآن غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة”، قال بعضهم إن الإمام الذهلي قال للناس: “خذوا الحديث عنه”، فلما أقبل الناس على الإمام البخاري، شقّ ذلك على الإمام الذهلي، فدبّر الأمر وطلب من الناس وتلاميذه ألّا يحضروا مجلس البخاري. وفي هذا الوقت، ترك الإمام مسلم مجلس الإمام الذهلي، وردّ عليه كل ما سمعه من حديث، وقال: «لن أترك الإمام البخاري». وقام معه الإمام أحمد بن سلمة من المجلس.
خرج الإمام البخاري من نيسابور، فاستقبله أهل بخارى بحفاوة عظيمة، وكان الناس يتوافدون إليه بكثرة للحضور على درسه، فأمر حاكم بخارى الإمام البخاري بالحضور إلى قصره ليعلم أبنائه علم الحديث، لكن الإمام البخاري رفض قائلاً: «لا أذل العلم»، فأمر بإخراجه من المدينة. فدعا الإمام قائلاً: «اللهم أرهم ما يستحقون، في أنفسهم وأهليهم وأولادهم». فلم تمضِ مدة طويلة حتى ثار أهل بخارى على الحاكم، فعزله السلطان الظاهري، وركبوه على حمار وطافوا به في أنحاء بخارى، فلم يبقَ له من كرامة ولا مكانة.
وخرج من هناك وذهب إلى «بيكند» وحدث هناك خلاف في مسألة، ثم دعاه أهل سمرقند فذهب الى منطقة تدعى «خرتنج» ولم يمض وقت طويل حتى مرض وتوفي في ذلك المكان.
يتبع…