
الكاتب: أم عائشة عليزهي
القاديانية (الجزء الثاني)
المدخل:
في الجزء السابق من هذا المقال، حاولنا أن نتناول بعض النقاط المتعلقة بالفرق بين (النبي الصادق) ومن يدعي النبوة كذباً، وقد أصبح موقع كل منهما واضحاً وجلياً للجميع؛ إذ إن من لا يكون مؤيداً بالحجج والبراهين، لا بد أن يفشل في نهجه، ويصبح في نهاية المطاف ذليلاً ومفضوحاً بدلاً من أن يكون عزيزاً ومكرّماً. (والتاريخ خير شاهد على ذلك).
في هذا الجزء من المقال سنتحدث عن حياة مدعي النبوة، أسرته، مراحل دعوته، وبعض الأمور الأخرى المتعلقة به.
السيرة الذاتية لمؤسس القاديانية
ولد ميرزا غلام أحمد (مؤسس القاديانية) عام ۱۸۳۹م، الموافق لـ۱۲۱۳هـ ش، في قرية «قاديان» الواقعة في إقليم البنجاب في الهند، وتوفي عام ۱۹۰۸م إثر إصابته بمرض الكوليرا في مدينة لاهور، ثم نُقل جثمانه إلى قاديان حيث دُفن هناك.
النسب والأسرة:
ينتمي ميرزا غلام أحمد القادياني إلى قبيلة مغولية تُدعى «رلاس»، وقد ذكر بعض الباحثين أن أسرته تعود إلى سلالة «المغول الكبار»، غير أنه ادعى أن الله أوحى إليه بأنه من أصل فارسي، وقد أشار إلى ذلك في حاشية كتابه «البريه» حيث كتب: «لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجل من فارس»، وكذلك في كتابه (أربعين) كتب:
«إن كل ما قيل عن أسرتي من قبل لم يكن إلا من باب الظن والتخمين، لكن الآن قد تبين لي من الله تعالى أن أسرتنا فارسية الأصل، وأنا أؤمن بهذا الأمر إيماناً قاطعاً، لأن القول الموثوق والصحيح هو ما يُعلم من طريق العلم الإلهي».
كانت عائلة ميرزا غلام أحمد من الأسر الثرية، وكان جده يمتلك قرى وأراضٍ واسعة، وكان من أهل السيادة في البنجاب. لكن في إحدى الحروب التي دارت بينه وبين السيخ، خسر جميع ممتلكاته وطُرد من قريته “قاديان”. ثم في عام ۱۸۱۸م، سمح لهم الاستعمار البريطاني بالعودة إلى قاديان، وردّ إليهم بعض ممتلكاتهم تقديراً لخدمة والدهم العسكرية للإنجليز.
وقد كتب ميرزا أحمد بهذا الشأن: «في تلك الأيام نزلت بمصيبة على والدي، فنهب الكفار أمواله، لكن الله تعالى أعاد له بعض القرى والأملاك في عهد الحكم البريطاني».
قضى ميرزا غلام أحمد معظم وقته في تعلم العلوم الإسلامية، والمباحثات العلمية، وموعظة الناس. تعلم المنطق والفلسفة والعلوم الدينية والأدبية على يد أساتذته، ودرس الطب عند والده الذي كان طبيباً ماهراً.
وقد نُقل عنه أنه منذ صغره كان شديد التعلق بقراءة الكتب، حتى أن والده كان يراقبه خشية أن يؤثر ذلك على صحته.
وعندما كبر، تولى مسؤولية إدارة الأملاك والعقارات بناءً على إلحاح والده، رغم أن ذلك كان على غير رغبته، حيث قال: «قبول هذه المسؤولية كان مخالفاً لميل نفسي».
عندما بدأ المبشرون المسيحيون نشاطهم في شبه القارة الهندية، تصدى لهم وكتب كتاب «براهين أحمدية» ردًّا عليهم.
وقد ألّف ميرزا غلام أحمد أكثر من سبعين كتاباً ومقالة باللغات الأردية والعربية والفارسية، جُمعت في مجموعة تُسمى «روح الخزائن» وتتكون من ۲۲ مجلداً، طُبعت على يد أتباعه في باكستان.
من أبرز كتبه:
براهين أحمدية: لإثبات حقانية القرآن والنبي والدين الإسلامي.
الكتاب الموعود (في أربعة مجلدات، ۵۶۲ صفحة).
سيرة الأبدال: حول علامات عباد الرحمن.
مواهب الرحمن: عن معجزات غلام أحمد وعقائده ودلائل بعثته.
حقيقة المهدي: لإثبات أنه المسيح والمهدي.
لجة النور: يضم رسائل موجهة إلى علماء الشام والعراق وخراسان.
خطبة الإلهامية: حول الوحي الذي تلقاه وأدلّة نبوته.
إعجاز المسيح: تفسير لسورة الفاتحة.
تبليغ الإسلام: رسائل لدعوة الكبار في العرب وفارس، ومدح الحكومة البريطانية، ودعوة الناس لقبول دعوته.
نشأة القاديانية
تعود نشأة القاديانية إلى عام ۱۸۸۹م، حين أعلن ميرزا غلام أحمد، وهو في الأربعين من عمره، أنه يتلقى الوحي والإلهام من الله تعالى، وأنه من المجددين الذين يبعثهم الله كل مائة عام لتجديد الدين الإسلامي، وادعى كذلك أن الله أمره أن يأخذ البيعة من الناس، وأن أعداءه سيُقتلون بطريقة غير طبيعية.
كما زعم أنه في زمن انتشار الطاعون، شُفي المرضى ببركته بصورة معجزة، واعتبر هذا دليلاً على صدق دعوته.
اعترف ميرزا غلام أحمد بأنه قضى معظم عمره في تأييد ودعم الحكومة البريطانية، وأثناء الاستعمار البريطاني للهند، كتب عدة رسائل وكتب يمتدح فيها حكومة بريطانيا، ويدعو لطاعتها، واعتبر أن البريطانيين يعاملون الناس جميعاً بالعدل والمساواة، وأن الأمم نالت حريتها في ظل حكمهم.
لهذا السبب، كان يدعو لملوك بريطانيا، ويعتبر طاعتهم واجبة، وفي كتابه «حقيقة المهدي» كتب: «لولا خوف سيف بريطانيا، لكانوا قتلوني»، ولذلك كان يشكر الحكومة البريطانية.
واستمر هذا الارتباط بعد وفاة ميرزا غلام أحمد، حيث كتب خليفة القاديانية الثاني، بشر الدين محمود أحمد، كتاباً بعنوان «تحفة شاهزادة ويلز»، وهداه إلى ملك بريطانيا «ويلز بن جورج الخامس».
غير أن قادة هذه الفرقة حالياً يدّعون معارضة بريطانيا وأمريكا وإسرائيل، وينكرون أي تعاون معهم في الماضي أو الحاضر.
مراحل دعوة ميرزا غلام أحمد القادياني
المرحلة الأولى:
مرحلة الدعوة إلى الإسلام، حيث كان ميرزا غلام أحمد في هذه المرحلة يدّعي المعارضة والتجديد، وقد بدأت هذه المرحلة في عام ۱۸۷۹م واستمرت حتى عام ۱۸۹۱م.
في هذه المرحلة، ادعى ميرزا غلام أحمد أنه مصلح ومجدد، وأنه قد أُرسل من قبل الله لإصلاح العالم والدعوة إلى الإسلام. وقد قام خلالها بثلاثة أنشطة رئيسية:
المناظرات؛
جمع الأتباع؛
تأليف الكتب.
المرحلة الثانية:
وهي المرحلة التي ادعى فيها ميرزا غلام أحمد أنه «المسيح الموعود»، وقد بدأت في عام ۱۸۹۱م. أعلن فيها أنه المسيح الموعود الذي أخبر عنه القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو ذلك المصلح الذي تنتظره الأمم والطوائف منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
وقد استدلّ بنفسه على صدق دعواه بقوله: «والله إنّي أنا المسيح الموعود، وأعطاني ربي سلطاناً مبيناً».
المرحلة الثالثة:
مرحلة ادعاء النبوة، وهي المرحلة التي أدت إلى نشوء فرقة القاديانية وانتشارها.
ثمة اتجاه ينكر أن ميرزا غلام أحمد ادعى النبوة، لكن عند مناقشة أقوال أصحاب هذا الاتجاه لا نجد ما ينفي بوضوح هذا الادعاء.
كما أن هناك اتجاهاً ثالثاً، يؤكد أصحابه أن ميرزا غلام أحمد قد ادعى النبوة بالفعل.
ادعاء التجديد والمهمة الإلهية
يقول ميرزا غلام أحمد: «أُلهمت مرة بأن الله يريد أن يُحيي دينه، ولكنه لم يعيّن بعد في الملأ الأعلى من سيكون ذلك المُحيي».
ويضيف أنه رأى في المنام أن الناس يبحثون عن مجدد، وأحدهم أشار إليه قائلاً: «هذا رجل يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وكان معنى ذلك أن الشرط الأعظم في هذا المنصب – أي التجديد – هو محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي متحققة فيه.
ويقول أيضاً: «ذات ليلة كنت أكتب شيئاً ثم غفوت، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وكان وجهه المنير كالبدر الكامل، اقترب مني وعانقني، ومن بعد تلك الليلة، فُتحت عليّ أبواب الإلهام، وخاطبني الله تعالى».
ادعاء المسيحية
في أواخر سنة ۱۸۹۰م، ادعى ميرزا غلام أحمد أن الله أوحى له أن المسيح ابن مريم – الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قدومه – هو هو، وأن عيسى عليه السلام قد تُوفي كما تُوفي الأنبياء من قبله.
وقال: «أعلن بصوت مرتفع أن ربي أوضح لي هذا الحق من خلال الوحي والإلهام؛ فالمسيح بن مريم قد مات، وروحه مع روح يحيى بن زكريا في السماء الثانية، وقد أُخبرت في الأحاديث الصحيحة أنني أنا المسيح الموعود لهذا العصر».
ادعاء النبوة
لم يكتفِ ميرزا غلام أحمد بادعاء أنه المهدي والمسيح الموعود، بل تجاوز ذلك إلى ادعاء النبوة، فقال: «إن الله سماني نبياً بوحيه»، ويبدو أن مقصده أن هذه التسمية وردت ضمن تفسيره للآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَائِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
وكان يرى نفسه مظهراً لجميع أنبياء الله، فقال: «إن الله جعلني مظهراً لجميع الأنبياء، فأنا آدم، وأنا شيث، وأنا نوح، وأنا إبراهيم، وأنا المظهر الكامل لاسم النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ فأنا محمد وأحمد بشكل ظلي».
كما ادعى أن له معجزات، وأطلق على إحدى معجزاته اسم «الإعجاز الأحمدي»، وزعم أن الله أظهر من خلاله خوارق العادات، ومنها أن الطاعون انتشر في كل مكان، لكنه لم يُصب به.
ويقول: «هذا الشرف إنما مُنح لي بسبب اتباعي للنبي صلى الله عليه وسلم، فلو لم أكن من أمته، لما كنت لأحظى بشرف المخاطبة مع الله، لأن باب النبوة مغلق إلا على من هو من أمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذا فأنا من أمته ونبي في نفس الوقت».
اعتقاده في المهدي
كان ميرزا غلام أحمد يرى أن المقصود بالدجال هو «المسيحية»، وأن المقصود بيأجوج ومأجوج هم «روسيا والغرب».
كما قال: « لو كان المهدي شخصية مستقلة، لذكره الصحيحان البخاري ومسلم»، ويستنتج من ذلك أن أحاديث المهدي ليست صحيحة في رأيهم.
ومع ذلك، اعتمد على حديث «لا مهدي إلا عيسى» الموجود في ابن ماجه والمستدرك للحاكم واعتبره صحيحاً.
وقد قال بكل جرأة: «وأنا المسيح الموعود، والمهدي الموعود، وقد منّ الله عليّ بالوحي والإلهام، وكلّمني كما كلّم رسله الكرام».
تأسيس القاديانية وأبرز أتباعها
كان ميرزا غلام أحمد القادياني (۱۸۳۹–۱۹۰۸م) هو الأداة الأساسية لتأسيس القاديانية، وكان ينتمي إلى عائلة عُرفت بخيانة الدين والوطن، وكان معروفاً بين أتباعه بكثرة الأمراض واضطراب المزاج، وإدمانه على المواد المخدّرة.
ألّف أكثر من خمسين كتاباً، ومن أبرزها:
إزالة الأوهام؛
إعجاز أحمدي؛
براهين أحمدية؛
أنوار الإسلام؛
إعجاز المسيح؛
التبليغ؛
تجليات إلهية.
ومن أتباعه البارزين:
نور الدين بروي: الخليفة الأول، تُوّج بتاج الخلافة من قِبل الإنجليز، ومن مؤلفاته: «فصل الخطاب».
محمد علي: زعيم القاديانية في لاهور، ومناظِر وجاسوس للاستعمار، ومدير مجلة «القاديانيون»، ترجم القرآن إلى الإنجليزية تحريفاً. من كتبه: «حقيقة الاختلاف» و«النبوة في الإسلام».
محمد صادق: مفتي القاديانيين، ومن كتبه: «خادم خاتم النبيين».
بشير أحمد بن غلام: من كتبه: «سيرة المهدي» و«كلمة الفصل».
محمود أحمد: نجل غلام وخليفته الثاني، ومن كتبه: «أنوار الخلافة»، «تحفة الملوك»، و«حقيقة النبوة».
الانقسام في القاديانية
انقسم أتباع ميرزا غلام أحمد إلى فرقتين:
القاديانية؛
اللاهورية.
جميع الأشخاص الذين يُقرّون بصحة ادعاءات القادياني، قد ارتدّوا عن الإسلام وأصبحوا قاديانيين مرتدّين، كما أن الذين وُلدوا على القاديانية يُعدّون زنادقة، وقد بدأ الخلاف بين «اللاهوريين» و«لقاديانيين» بعد وفاة «الحكيم نور الدين»، وكان محور الخلاف هو مسألة الخلافة.
فقد سلّم آل قاديان الخلافة إلى ميرزا محمود، وبايعوه، في حين كان اللاهوريون يريدون أن تكون الخلافة لـ محمد علي اللاهوري، وخلاصة القول: إن كلا الفريقين يؤمنان بصحة ادعاءات ميرزا غلام أحمد، فإن ادعى اللاهوريون أنهم لا يؤمنون بنبوته، فهذه دعوى مخالفة للواقع وغير صحيحة، لكن حتى لو سُلّم بصحة هذا الادعاء، فإنهم لا يزالون يؤمنون بأنه مجدد، ومهدي، ومأمور من الله تعالى.
فمن اعتقد أن نبيّاً كاذباً هو مسلم، فقد كفر وارتدّ عن الدين، ولهذا السبب، فإن كلًّا من الطائفتين، القاديانية واللاهورية، يُعدّان مرتدتين.
أما المجموعة التي انضمت إلى محمد علي اللاهوري، فتعرف باسم اللاهورية أو المجددية.
ولمحمد علي اللاهوري مؤلفات كثيرة، من بينها ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
وترى «الجماعة اللاهورية» أن غلام أحمد لم يدّع النبوة مطلقاً، بل ادّعى فقط أنه مجددٌ لدين الإسلام.
يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالي
