
الكاتب: الدكتور فضل أحمد أحمدي
الاشتراكية
(الجزء الثاني)
دراسة مفهومية
تُقدم تعريفات متنوعة للاشتراكية باعتبارها واحدة من الأفكار المهمة والأساسية في مجال الأفكار السياسية. بشكل عام فإن مصطلح «الاشتراكية» (Socialism) مأخوذ من الكلمة الفرنسية «سوسيال» بمعنى «اجتماعي»، والعنصر الأساسي المشترك بين النظريات الاشتراكية هو تركيزها على أولوية المجتمع ومنح الأولوية للمنفعة العامة على حساب الفرد والمصلحة الفردية، كذلك في قاموس الماركسية، يُعد «الرأسمالي» سيئة، و«الاشتراكي» إيجابي جيد، وفي أبسط صورها، تعني الاشتراكية الإيمان بأن جميع المنتجين يجب أن يتقاسموا بالتساوي ثمار العمل المشترك؛ لكن على مستوى أعمق، فالاشتراكية ليست مجرد صيغة اقتصادية، بل تعبر عن قدرة الجماهير على التغلب على الاغتراب أو الانفصال عن طبيعتها الأصلية، وهو ما يعتقد الاشتراكيون أنّ البشر بطبيعتهم أكثر إبداعًا، ومحبة للسلام، وإنسانية مما تُظهره التجربة عمليا.
بعبارة أخرى، فإن «الاشتراكية» هي نوع من النظريات الاجتماعية، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية (Socius) والتي تعني «الرفيق» أو «الشريك»، ولكن هذا التعريف البسيط لا يستطيع شرح تعقيدات الفكر الاشتراكي وتعدد تفسيراته بدقة. ظهرت في تاريخ المجتمعات وأفكار الفلاسفة، نماذج يُمكن وصفها بأنها اشتراكية، مثل النظام المشترك الذي اقترحه أفلاطون في كتابه «الجمهورية» للطبقتين الحُراس والفلاسفة، والذي يعتبر شكلاً من الاشتراكية، وبالمثل يُمكن اعتبار آلية تنظيم مياه نهر النيل في مصر القديمة، والذي كان يضمن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للناس، تنظيمًا اشتراكيًا، كما أن منع تصدير المواد الغذائية الضرورية للشعب، يمكن تصنيفه كإجراء اشتراكي. وهناك العديد من الحالات المشابهة التي تُظهر إمكانية تفسيرها من منظور اشتراكي، بحيث لا يمكن تجاهل هذه النماذج من تاريخ الاشتراكية، أو مساواتها بتجاربها الحديثة.
كانت الاشتراكية في شكلها الأولي ذات طبيعة أصولية، طوباوية، وثورية، وكان هدفها في ذلك الوقت هو إلغاء الاقتصاد الرأسمالي القائم على التبادل التجاري، واستبداله بمجتمع اشتراكي نوعي مبني على الملكية المشتركة، وكان أبرز ممثلي هذا الاتجاه هو «كارل ماركس»، الذي شكّلت أفكاره الأساس للفكر الشيوعي في القرن العشرين.
لكن الاشتراكية الحديثة، فهي فرع من الفهم العام لهذه الفكرة، وقد تطورت في بيئة تُجسد مكونات الحداثة في مختلف مجالات الحياة، وأبرز هذه المكونات هو الاقتصاد الصناعي وآليات الإنتاج الاجتماعي والاقتصادي، وهناك أيضًا تصور خاص للإنسان تُقدمه الاشتراكية، يختلف عن المفاهيم الفردية، حيث ترى الإنسان كعضو في نسيج المجتمع، وليس ككيان مستقل بذاته.
ظهرت الاشتراكية في فرنسا وبريطانيا خلال الأعوام ۱۸۳۰ إلى ۱۸۴۰ م، بتفسيرين مختلفين لكن مستقلين عن بعضهما؛ التفسير الفرنسي يُنسب إلى مدرسة «سان سيمون»، ومن أبرز أعضائها «بير لورو»، حيث عارضت هذه المدرسة الفردانية، ووصفت الاشتراكية بأنها اشتراكية كاثوليكية مقابل الفردية البروتستانتية، أما التفسير البريطاني، فيعود إلى مدرسة «أوين». أشار أوين في مقاله «ما هي الاشتراكية؟» إلى نوع من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، وقد تأثر تفسيره بالظروف السائدة في إنجلترا آنذاك.
وهذا الطابع النقاد للاشتراكية، إلى جانب دعوتها لطرق جديدة، هو ما جعلها قادرة على الحضور في الحياة الاجتماعية خلال القرنين الماضيين.
يتبع…