من الظواهر المهمة في مجال العلم والسياسة، ظاهرة الاستشراق والمستشرقين، التي تحمل أهدافًا ودوافعًا ومقاصد متعددة. من بين هذه الأهداف، يمكننا ذكر الأهداف السياسية، الاقتصادية، والثقافية، والاستعمارية، والتبشيرية والعلمية. المجال الأهم لنشاطات هذه الفئة في الجامعات، والمدارس، والمؤسسات، وفي تنظيم الجلسات والمؤتمرات، وتأليف الكتب وإصدار المجلات في مختلف الأبعاد والجوانب. لقد بذل هؤلاء الكثير من الجهود لتحقيق أهدافهم، مما يقتضي من كل داعية مسلم أن تكون لديه معلومات دقيقة حول هذه الظاهرة، وأن يعي أفكارهم، ومخططاتهم وبرامجهم. نظرًا لأن أنشطة هؤلاء تتم في مجالات متعددة وهي جزء من الغزو الغربي الصريح ضد الإسلام والمسلمين، فإننا في هذه المقالة سنحاول قدر الإمكان الكشف عن هذه الظاهرة وتحديد نوع أنشطتهم. في هذه المقالة، نبدأ بتعريف الاستشراق والمستشرقين، ثم نعرض دوافعهم وأهدافهم، وفي النهاية نناقش شبهاتهم.
التعريف اللغوي للاستشراق
الاستشراق هو مصطلح عربي مأخوذ من مادة «الشرق»، ومعناه في اللغة: اختيار طريقة وسبيل الشرقيين، دراسة الشرق ودراسة الحضارة الشرقية، وهو الترجمة للمصطلح الإنجليزي (Orientalism). وبالتالي، يُطلق على المستشرق «دارس الشرق أو الباحث في الشرق».
التعريف الاصطلاحي للاستشراق
مصطلح الاستشراق وكذا الكلمات المشتقة منه مثل مستشرق، تُعد مصطلحات حديثة رغم أن مدلولها قديم. العلماء قدّموا تعريفات عديدة لهذا المصطلح، ومن بين تلك التعريفات نذكر بعضًا منها:
يعرف ماكسيم رودنسون، المستشرق الكبير في القرن العشرين، الاستشراق بقوله: «اتجاه علمي لدراسة الشرق الإسلامي وحضارته».
يعتقد الدكتور محمود حمدي زقزوق أن الاستشراق هو: «علم الشرق أو المعرفة بالعالم الشرقي، ويطلق مصطلح مستشرق بشكل عام على كل باحث غربي يدرس اللغات، الأدب، الحضارات، والأديان في دول الشرق الأوسط».
كتب الشيخ محمد الغزالي: «الاستشراق هو الكهانة الجديدة التي ارتدت ثوب العلم والعبادة في أبحاثها العلمية، رغم أن هذه الفئة بعيدة عن الأجواء العلمية والتجرد. معظم المستشرقين قد تم توظيفهم لهذا الهدف، وهو الإساءة إلى الإسلام واتهامه».
تعريف شامل للاستشراق
إذا أردنا تقديم تعريف شامل للاستشراق يجمع كافة التعريفات السابقة، فيمكننا القول: «الاستشراق هو مجموعة من الجهود العلمية التي يبذلها الغربيون للتعرف على البلدان، الظروف الجغرافية، الموارد، المعادن، التاريخ، القوميات، اللغات، الأدب، الفنون، العادات، التقاليد، الثقافة، المعتقدات، الأديان، الحضارات، السمات النفسية، الحساسيات الروحية، الأبعاد الخطرة والنقاط الضعيفة لشعوب دول الشرق، التي تشمل الشرق الأقصى والشرق الأدنى وشرق البحر الأبيض المتوسط وحتى بقية الأراضي الإسلامية في شمال إفريقيا وأماكن أخرى في العالم، وذلك بهدف اكتشاف ثرواتهم المادية والمعنوية لتوفير مصالح الغربيين».
ظهور وتكوُّن الاستشراق
بالنسبة لوقت نشوء ظاهرة الاستشراق، هناك آراء متنوعة بين الكتاب: فبعضهم يرى أن الاستشراق الرسمي بدأ في القرن الثامن عشر الميلادي؛ لأن مصطلح «Orientalism» دخل إلى ثقافة الدول الغربية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
يكتب الدكتور مصطفى سباعي: «لا يوجد شيء محدد حول أول غربي قام بالدراسات الشرقية ومتى بدأ هذا العمل، ولكن من المؤكد أن عددًا من الرهبان في عصر ازدهار الأندلس ذهبوا إلى هناك بهدف السفر وتعلموا في مدارسها؛ وترجموا القرآن والكتب العربية، وجلسوا في مجلس التلمذة أمام علماء الإسلام في مختلف العلوم، خاصة الفلسفة، الطب، والرياضيات».
ومن أول الرهبان الذين اشتهروا: «جربيرت» الذي عاد في عام ۹۹۹ بعد أن تعلم في مراكز التعليم في الأندلس، إلى بلاده وعيّن بابا في كنيسة روما. بعده جاء «بطرس العظيم» (۱۰۹۲-۱۱۵۶م) وكذلك «جيرارد كريمون»(۱۱۱۴-۱۱۸۷م)، الذين كل واحد منهم حصل على هذا المنصب.
ويقول الدكتور محمد فاروق نبهان: «ظهرت نهضة الاستشراق كظاهرة ثقافية بعد المواجهة الشديدة بين حضارتين مختلفتين، وهي الحضارة الإسلامية الحديثة والحيوية، والحضارة الغربية المسيحية الضعيفة والمرهقة».
مراحل الاستشراق
عند التدقيق في تاريخ الاستشراق وتحليله، نلاحظ أن أولى خطوات هذه الظاهرة كانت تحت إشراف الكنائس والمعابد المسيحية، وكان الرهبان وعلماء المسيحية يشكلون أول مجموعة من المستشرقين، الذين لا يزالون جزءًا من هذه الحركة حتى اليوم. في هذه المجموعة كانت الروح الطائفية والأفكار الكنسية تسود، وكانت نظرتهم إلى الإسلام نظرة موضوعية، مما أدى إلى نشوء الاستشراق والمستشرقين بينهم، ومرّت هذه الظاهرة بمراحل متعددة، وفيما يلي مراحلها بشكل مختصر:
المرحلة الأولى: بدأت هذه المرحلة بعد فتح الأندلس وازدهار الحياة العلمية فيها، وكذلك في جزر البحر الأبيض المتوسط وجنوب إيطاليا، وانتهت مع انتهاء الحروب الصليبية.
المرحلة الثانية: بدأت هذه المرحلة بعد الحروب الصليبية واستمرت حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.
المرحلة الثالثة: بدأت هذه المرحلة تقريبًا من منتصف القرن الثامن عشر الميلادي واستمرت حتى نهاية الحروب الصليبية.
المرحلة الرابعة: بدأت هذه المرحلة بعد الحرب العالمية الثانية وما زالت مستمرة إلى اليوم.
دوافع وأهداف المستشرقين
فيما يخص ما كان يسعى إليه الباحثون والمحققون الغربيون في دول الشرق الأوسط، وما هي الأهداف التي كانوا يتبعونها، وما الذي جعل أحد الغربيين يقضي حياته وماله في دراسة وبحث الشرق، هناك العديد من الأقوال والآراء؛ وفيما يلي نسعى لعرض هذه الآراء والنظريات:
١. الدافع الديني:
منذ البداية كان من مهمة الاستشراق محاربة الدين الإسلامي؛ ولذلك في عام (۱۰۹۴ – ۱۱۵۶ م). كلف بطرس العظيم مجموعة من المترجمين بترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية؛ وكانوا من خلال هذه الترجمة يريدون التعرف على الإسلام جيداً حتى يتمكنوا من محاربته في مجال العقيدة. كان هؤلاء المترجمون المسيحيون، من خلال ترجمة القرآن ودراسته ونقده، وعرض صورة مشوهة وغير صحيحة عن الإسلام، يسعون لتعزيز قدرة الكنيسة في حماية الناس ومنعهم من التحول إلى الإسلام. هذا الدافع هو الذي جعل المستشرقين يتعلمون اللغة العربية وآدابها ويقومون بدراسة العلوم الإسلامية بعمق، ومعرفة أصول الإسلام، ومصادره، وأممه، وتصميمه وبرامجه.
٢. الدافع الاستعماري
تمكن الاستعمار من تجنيد عدد كبير من المستشرقين لخدمة أهدافه وتحقيق غاياته في البلدان المستعمرة؛ لذلك قام الاستعمار بجهود كبيرة لتعزيز مكانة الاستشراق، ومن هنا نشأت علاقة قوية بين الاستشراق والاستعمار.
٣. الدافع الاقتصادي والتجاري
أحد دوافع الاستشراق كان الدافع الاقتصادي والتجاري. كانت الدول الغربية تسعى لتوسيع تجارتها مع الدول الإسلامية (الشرقية)، وذلك لتوفير أسواق جيدة لمنتجاتها ولتوفير المواد الخام اللازمة لزيادة إنتاجها. هذا الأمر جعلهم يتعرفون على طبيعة وجغرافية البلدان، بالإضافة إلى عادات ومعتقدات الشعوب.
٤. الدافع السياسي
ظهر هذا الدافع بعد استقلال الدول العربية والإسلامية. كتب الدكتور مصطفى السباعي: «النتيجة التي ظهرت في العصر الحالي وبعد استقلال معظم الدول العربية هي أنه في جميع السفارات العربية يوجد سكرتير أو ممثل ثقافي، هؤلاء الممثلون يتقنون اللغة العربية، وبالتالي هم على اتصال بالعقول والمفكرين والصحفيين والسياسيين، ويعرفون أفكارهم، ويميلون إلى نشر التوجهات التي تريدها حكوماتهم بينهم».
٥. الدافع العلمي
من بين المستشرقين هناك قلة اتجهوا إلى الاستشراق بهدف التعرف على حضارات الأمم والأديان والثقافات واللغات. بشكل عام، لا يمكن اعتبار جميع المستشرقين متعصبين أو أعداء للإسلام؛ لأن بعضهم كانت أهدافهم البحث والدراسة حتى أن بعضهم اعتنقوا الإسلام.
٦. الدافع الثقافي
من أهم أهداف ودوافع الاستشراق كان نشر الثقافة الغربية، واللغات الأوروبية، ومكافحة اللغة العربية، وتحويل الدول العربية والإسلامية إلى ثقافة غربية. ومن هذا المنطلق، كان نابليون يفكر في دعوة أكثر من ۵۰۰ من شيوخ ورؤساء قبائل مصر للإقامة في فرنسا لبعض الوقت ليتعلموا اللغة الفرنسية، والعادات والطقوس الفرنسية، حتى إذا عادوا إلى مصر، قاموا بتطبيق ما اعتادوا عليه.
أدوات المستشرقين لتحقيق أهدافهم
١. تأليف الكتب
لا يخفى على أحد أن الكتاب له دور مهم في نشر المبادئ وتوسيع الأفكار والمعتقدات. فالكتاب هو وسيلة قديمة جداً لم تستطع الاختراعات الحديثة، سواء في مجال الإعلام أو طرق الاتصال، أن تقلل من مكانته أو من دوره المؤثر في نشر الثقافات والأفكار. ولذلك، أولى المستشرقون اهتماماً خاصاً بهذه الوسيلة، حيث قاموا بتأليف الكتب، وطباعة ونشر الموسوعات والمعاجم.
٢. نشر المجلات
كان للمستشرقين العديد من المجلات الشهرية والدوريات التي كانت تصدر في العديد من الدول الأوروبية. يقال إن عدد هذه المجلات، التي كانت تنشر مواضيع متعددة متعلقة بالاستشراق بلغات مختلفة، يزيد عن ثلاثمائة مجلة. كانت المواضيع الرئيسية لهذه المجلات تتعلق بلغات دول الشرق الأوسط، الأدباء، العلوم، والأدب القديم والحديث لتلك الدول.
٣. إرسال الجماعات التبشيرية
كانت الجماعات التبشيرية المرسلة إلى العالم الإسلامي تلعب دوراً كبيراً في نشر الأفكار الاستشراقية المناهضة للإسلام.
الأقسام الأخرى لهذه الأدوات التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح سيتم ذكرها في الجزء الثاني من هذه المقالة، إن شاء الله.