
الكاتب: أبو رائف
الاستعمار
(الجزء الثامن)
تشجيع على العمل والاجتهاد وتجنب الكسل والبطالة؛
لقد أولى الدين الإسلامي الحنيف أهمية خاصة وكبيرة لموضوع العمل، والسعي والنشاط وتجنب الكسل والبطالة. توجد آيات وأحاديث لا حصر لها في المصادر والمراجع الإسلامية تحث الإنسان المؤمن على الانطلاق والسعي والحركة وتنهى عن البطالة والعزلة والقعود في المنزل.
إن موضوع العمل والجهد هو قانون طبيعي ربط الله تعالى به رزق كل دابة على الأرض؛ فلا غنى عنه لأي كائن حي. لذلك، لن يكون من المدهش أن يكون هذا الموضوع هو الأساس البدئي لتحصيل الرزق والمعيشة، وأن يشكل الأساس الأول في جميع الأنظمة الاقتصادية والربانية.
قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ».ويقول تعالى أيضًا: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». وقال أيضًا: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا».
وهذه الآيات تدل دلالة صريحة على وجوب السعي والاجتهاد في كسب الرزق الحلال والحركة، وتحذر من الخمول، والبطالة، والانزواء.
مجالات عمل ونشاط الفرد المؤمن:
۱. مجال الاستفادة (جني الثمار)؛
يدخل في هذا المجال كل ما يؤدي إلى الاستفادة الزراعية المتنوعة والإنتاجات الحيوانية المختلفة.
۲. مجال الاستخراج والاستكشاف؛
يدخل في هذا المجال كل عمل يؤدي إلى الحصول على الأشياء التي خلقها الله تعالى وودعها في بقعة من الأرض، أو البحار، أو اليابسة، أو الأجواء. مثل السعي للصيد، والاستفادة من أشجار الغابات، واستخراج الجواهر والمعادن الأرضية، واستخراج المواد الكيميائية، واستخراج المياه والنفط والفحم ولحوم الأسماك والحلي، وغيرها…
۳. مجال الإنتاج والصناعة؛
يدخل في هذا المجال كل ما يؤدي إلى تحويل الشكل الأولي لشيء ما إلى مواد، وأشكال، وصور أخرى مختلفة، مما يعود بالنفع على البشر.
۴. مجال الخدمات الخاصة أو العامة، الدينية أو الدنيوية؛
يدخل في هذا المجال الأعمال التجارية، والإدارية، والإرشادية، والتعليمية والتربوية، والحراسة والحفظ، والدفاع، والصيانة، والنقل، والتحويل، وغيرها…
۵. مجال البحث العلمي والتقني.
يشمل هذا المجال التفرغ لمختلف أنواع البحوث العلمية والتقنية التي توفر أسس التقدم والازدهار المستمر للأمة الإسلامية.
هذه المجالات المذكورة هي من أهم المجالات والمستويات العملية التي يجب على المسلم المؤمن أن يسعى ويجتهد فيها.
مكافأة الأنشطة الاقتصادية الفردية:
يمكن أن يكون الالتزام بمبدأ الحصول على الأجر الأخروي من الأنشطة الاقتصادية، «بشعار «الدنيا مزرعة الآخرة»». هو أقوى حافز للأنشطة الاقتصادية السليمة. ومن جانب آخر، هو أكبر مسار لتعزيز مبدأ الرحمة الإنسانية، وتقوية الروابط الإيمانية والأخلاقية، ونشر نظام العدل الإلهي. قال الله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ».
التوافق مع الفطرة السليمة للإنسان:
توضح الدراسات الخصائص النظرية والسلوكية للنظام الاقتصادي الإسلامي بوضوح أن الجمع بين تلبية المتطلبات المادية والمعنوية للمجتمع، والاعتراف بأنواع الملكية المقيدة، وتقسيم الحلال والحرام في مجال الأنشطة الاقتصادية مثل: الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك، والاهتمام بالاحتياجات المادية والمعنوية، وإعطاء الحق في اختيار المهنة والسلعة ضمن حدود الاعتدال، والتدخل في التوزيع ومراقبة السوق، وحظر الربا، والاحتكار، والغش، يتوافق تمامًا مع الميول الفطرية وخصائص المجتمعات الإنسانية. أما تجاهل هذه الأمور، فيؤدي إلى العديد من السلوكيات الشاذة، والأعمال القبيحة الإنسانية والاجتماعية.
هذه لمحات مختصرة من الخصائص والسمات البارزة للاقتصاد الإسلامي، التي يمكن أن تضمن النجاح والتقدم الاقتصادي للمجتمعات البشرية وتحقق التوازن المالي في العالم.
ولكن، للأسف، تقوم الدول الاستعمارية، من خلال تشويه الحقائق الاقتصادية والسخرية من النظام الاقتصادي الإسلامي ونظامه المالي، بتنفير الأجيال الإسلامية من التعاليم الإسلامية، ويسعون إلى استعمار العالم الإسلامي وفرض السيطرة المالية عليه.
يكتب الدكتور «عبد الرحمن حبنكة الميداني»: «من خلال دراسة خصائص الاقتصاد الإسلامي، نجد أن النظام الإسلامي يتضمن عددًا لا يحصى من المزايا التي يذكرها باحثو الاقتصاد للنظام الرأسمالي والاشتراكي، بالإضافة إلى أن الاقتصاد الإسلامي خالٍ من جوانب الظلم التي تؤدي إلى العدوان والعداوة والفساد في الأرض».
يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالي
