إن الميل إلى التدين متأصل في طبيعة كل إنسان عاقل ذكي؛ لأن الإنسان موجود مستكشف، بحّاث، وتوجد هذه الخصيصة فيه أكثر من أي موجود آخر في العالم، وقد خطر بباله، طوال التاريخ، السؤال الذي يقول: من أين جئتُ؟ ولمَ جئتُ؟ وإلى أين أذهب، فأين مصيري، ألا تهديني إلى وطني؟
فهذا السؤال الذي يحمل بين طياته أسئلة ثلاثة متماسكة، شغل دائمًا بال البشر، وكلما يفكر الإنسان حول ماضيه أو يشيع جنازة ويشاهد مقبرة، أو يولَد له طفل، واجه هذه الأسئلة: من أين جئتُ؟ ولم جئتُ؟ وإلى أين أذهب؟ فأين مصيري؟ ألا تهديني إلى وطني؟
إن جواب هذه الأسئلة والاقتناع بها يشكلان أساس دين البشر، فإذا كان جواب هذه الأسئلة ومتطلباتها صحيحة، وإذا وصل في مسير بحثه إلى نتيجة صحيحة، فإن دينه كان صوابًا وحقًا، وسيجد تأثيرًا صحيحًا ومفيدًا في جميع مراحل حياته، وبالتالي يؤدى إلى فلاحه في الدنيا والآخرة، وإذا لم يكن جواب هذه الأسئلة و متطلباتها صحيحًا، فإن دينه لم يكن صوابًا، وستكون له آثار سلبية في حياة الإنسان.
الكلمات الرئيسية: الدين، الفطرة، الأديان السماوية، أهمية الدين.
المقدمة
حين اتضح أن الإنسان كموجود بحّاث دائمًا يبحث عما يدور في ذهنه من الأسئلة والجواب عنها، وميّزته هذه الخصيصة من سائر الموجودات، لدرجة أنه سخّر لنفسه ما خلق الله له، لكنه رغم الاكتشافات الصناعية والتجارية والعلمية، لا يزال يشعر بنقص في حياته، والذي وضعه أمام تحديات صعبة، لأن توفر كثير من مرافق الحياة، مع وجود ظاهرة باسم الموت يجعل له الحياة غيرمقبولة، ويستبدل لذّاتها إلى المرارة، إذ أن الإنسان له طموحات كبيرة، وأهداف عالية، وحياته بمثابة فرصة قصيرة أُعطيت له، فرصة لا تكفيه في الوصول إلى تلك الطموحات والأهداف العالية.
من جهة أخرى، فإن خلق عالم بهذا الجمال، بكافة إمكانياته وخضرته، إلى جانب الجهود الكثيرة المبذولة لخلقه، يزعج الإنسان كثيرًا؛ لأنه يجب أن يترك كل هذه الجمالات، ويُوضع في قبر بمساحة “مترين” تقريباً، وفيها لا يستطيع أن يحمل معه شيئًا مما صرف عمره في حصوله من مرافق الحياة.
هذه الفكرة، قد ذهبت بالإنسان إلى الجنون، وجعله يعتبر حياته شيئًا تافهًا، وبالتالي لا يتصور فائدة لحياته، بينما يقول الله الحكيم: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَینَا لَا تُرْجَعُونَ» [المؤمنون: ١١٥]، فاتضح أن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، بل إنما خلقه لهدف مهم غير الدنيا، وهو الذي ذكره الله في الآية التالية: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِیعْبُدُونِ» [الذاریات: ٥٦]
فهذا الهدف ستكون له خلفية كبيرة، لأن البشر فئتان، فئة تعمل على مقتضاه، و فئة أخرى تكف عن العمل بمقتضاه، ملبّية لنداء نفسها، وعلى هذا، فالإنسان سيستحق الثواب والعقاب، وهو عدل الله الذي يقتضى أن لا تنتهي حياة البشر في الدنيا، بل يجب أن يحصد في عالم آخر ما زرعه في عالم الدنيا.
لقد أجاب الله سبحانه وتعالى جميع الأسئلة التي تخطر ببال الإنسان حول ماضيه وحاضره ومستقبله، بأسلوب جميل ومختصر في الآية التالية، حيث يقول: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِیهَا نُعِیدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» [طه: ٥٥]. ودلت هذه الآيات على أن حياة البشر لها مراحل مختلفة وأنها لا تنحصر على الحياة الدنيا، واتضح أيضًا أن البشر يحتاج إلى القوانين التي سيساعده العمل بها على العالَمين الذين ينتظرانه بعد الموت.
ولذلك، فإننا سنتحدث في هذه المقالة أولاً عن “أهمية ومكانة الدين في حياة البشر” ثم نبحث حول كيفية الوصول إلى الإطمئنان والهدوء الحقيقي، وكيفية الوصول إلى مكانة يصاحبها الارتقاء الفيزيايي والروحي، وبعد ذلك نقدم بعض التعريفات اللغوية والاصطلاحية لـ ” الدين” وأقسام الدين، وفي النهاية نتطرق إلى علامات و رموز الأديان.